ابن أبي الحديد
369
شرح نهج البلاغة
وثاني عشرها : أن ينصب نفسه لله في أرفع الأمور ، وهو الخلوة به ، ومقابلة أنوار جلاله بمرآة فكره ، حتى تتكيف نفسه بتلك الكيفية العظيمة الاشراق ، فهذا أرفع الأمور وأجلها وأعظمها ، وقد رمز في هذا الفصل ، ومزجه بكلام خرج به إلى أمر آخر ، وهو فقه النفس في الدين ، والأمور الشرعية النافعة للناس في دنياهم وأخراهم ، أما في دنياهم : فلردع المفسد وكف الظالم ، وأما في أخراهم : فللفوز بالسعادة باعتبار امتثال الأوامر الإلهية . فقال : ( في إصدار كل وارد عليه ) ، أي في فتيا كل مستفت له ، وهداية كل مسترشد له في الدين ، ثم قال : ( وتصيير كل فرع إلى أصله ) . ويمكن أن يحتج بهذا من قال بالقياس ، ويمكن أن يقال : إنه لم يرد ذلك ، بل أراد تخريج الفروع العقلية ، وردها إلى أصولها ، كما يتكلف أصحابنا القول في بيان حكمة القديم تعالى ، في الآلام وذبح الحيوانات ، ردا له إلى أصل العدل ، وهو كونه تعالى لا يفعل القبيح . وثالث عشرها : أن يكون مصباحا لظلمات الضلال ، كشافا لعشوات الشبه ، مفتاحا لمبهمات الشكوك المستغلقة دفاعا لمعضلات الاحتجاجات العقلية الدقيقة الغامضة ، دليلا في فلوات الانظار الصعبة المشتبهة . ولم يكن في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله أحد بهذه الصفة إلا هو . ورابع عشرها : أن يقول مخاطبا لغيره فيفهمه ما خاطبه به ، وأن يسكت فيسلم ، وذلك لأنه ليس كل قائل مفهما ، ولا كل ساكت سالما . وخامس عشرها : أن يكون قد أخلص لله فاستخلصه الله ، والاخلاص لله مقام عظيم جدا ، وهو ينزه الافعال عن الرياء ، وألا يمازج العبادة أمر لا يكون لله سبحانه ، ولهذا كان بعض الصالحين يصبح من طول العبادة نصبا قشفا ، فيكتحل ويدهن ، ليذهب بذلك أثر العبادة عنه .